الشيخ محمد السند
43
الإمام المهدى (ع) والظواهر القرآنية
( فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ ) ، مع عدم علمه به ( عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ) ( القصص : 15 ) ، يعني العراك الذي جرى بين ذاك الذي كان قد عرف النبيّ موسى وبين ذلك الذي لم يكن يعرفه . ويظهر من الآية أنَّ النبيّ موسى كان يتحرَّك مع عدم علم واطلاع الفراعنة ولا بني إسرائيل بشخصيته وهويته ، كانوا يرونه ولا يعرفون أنَّه هو ذلك المنتظر الموعود المنجي لهم ، كان في كبد ساحة الحدث ، يتفاعل معه ، أي إنَّ النبيّ موسى عليه السلام كان يرعى ويشرف ويُهيمن على مجريات حال ومصير بني إسرائيل ، لكن مع ذلك لم يكونوا يعرفونه . إذن كان يؤثّر في مجمل أوضاعهم في حدود معيّنة مقدَّرة من قِبَل الله تعالى من دون أن يشعروا به ومن دون أن يعرفوه ، هذه محطّة أخرى يذكرها لنا القرآن الكريم في ظاهرة النبيّ موسى ، وهي أنَّه كان يتفاعل مع مجمل الأحداث التي تجري على بني إسرائيل ، لكن من وراء ستار غياب الهوية ، من وراء ستار خفاء الشخصية ، مع كونه موجوداً بين أيديهم . بعد ذلك تواصل الآيات : ( قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ) ( القصص : 17 ) ، فهو ظهير للمستضعفين ، وهو في حين لم تأتِ ساعة الصفر لظهوره ، أو إعلان دعوة إصلاحه وإنجائه لبني إسرائيل وللمؤمنين من براثن الفراعنة ، كان مع ذلك يزاول تدبير الحدث في خضم وفي وسط هذا الخفاء وفي وسط هذا الستار ، فهو لم يكن معطّلًا قبل ظهوره ، بل كان متفاعلًا مع الحدث ، ( فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ